منوعات

التاريخ الليبي المشرف.. أعوام من الثورة والنضال ضد الوجود العثمانلي في ليبيا

الكفاح ضد المستعمر العثمنلي

التاريخ الليبي المشرف.. أعوام من الثورة والنضال ضد الوجود العثمانلي في ليبيا

 

في الوقت الذي يرتقب فيه وصول قوات من الجيش التركي إلى ليبيا، بدعوة رسمية من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، تبدو استعادة ثورة الشيخ غومة المحمودي اليوم ضرورة ملحة. فـ «غومة» الذي قاد قبل أكثر من 180 عام، الثورة الأطول على الإطلاق ضد الوجود العثماني في ليبيا (1835 – 1858)، تظهر في سيرته بجلاء كفاح الليبيين القدامى لتحرير بلادهم من مساوئ الأتراك. وهو ما يعد رسالة صريحة إلى أحفادهم المحدثين بضرورة عدم الانسياق وراء مصالحهم الشخصية، وفتح الباب أمام عودة تركية جديدة إلى البلاد، من شأنها إعادة ما ضحى أمثال غومة بأرواحهم من أجل الخلاص منه.

زعيم الجبل الغربي

ولد الشيخ “غومة بن خليفة بن عون المحمودي” في العام 1795، في قبيلة “أولاد المرموري” إحدى قبائل المحاميد، داخل بيت توارث السيادة منذ القرن الخامس الهجري على الجبل الغربي الواقع جنوب غربي طرابلس.

ومنذ قيام الدولة القرمانلية في ليبيا واستقلالها شبه التام عن السلطنة العثمانية خلال القرن الثامن عشر الميلادي، دخل أجداد “غومة” في تحالف مع القرمانليين الذين اعترفوا خلاله بسلطة قبيلة المحاميد فوق الجبل الغربي ومقره يفرن. ونتيجة لذلك التحالف، فإن ليبيا شهدت نموًا كبيرًا في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن ضمن الطرفان بقاء ثروات البلاد داخلها، دون خروج الجانب الأكبر منها إلى خزائن إسطنبول.

ولكن مع حلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تغيرت سياسة الدولة العثمانية بظهور رغبة كبيرة لدى سلطانها محمود الثاني في فرض المركزية من جديد فوق الولايات المستقلة في إمبراطوريته. ونالت ليبيا نصيبها من تلك السياسة في 24 مايو 1835، عندما رسى أسطول عثماني يتكون من 22 سفينة حربية، تحت قيادة مصطفى نجيب باشا على شواطئ طرابلس، وطرد علي باشا القرمانلي آخر أفراد الأسرة القرمانلية منها.

ولما كان نجيب باشا على علم كامل بعلاقة المحاميد بالوالي المخلوع، فقد دبر الحيلة لإيقاع بزعيمها غومة المحمودي والزج به في السجن، ظنا بأن ذلك سيجعل الأجواء تصفو للعثمانيين في ليبيا.

أقام الباشا حفلا لتنصيبه. ودعا الشيخ غومة المحمودي وزعماء المحاميد لمبايعة السلطان، ثم قبض عليهم جميعا بعد حضورهم. وأردف ذلك بفرض الإتاوات الباهظة على الليبيين، وإحلال الأتراك والأرناؤوط محل العرب في الوظائف الرسمية بطرابلس.

ضرب بالسياط.. وقطع للآذان

تسبب ذلك كله في قيام الثورة لأول مرة في الجبل الغربي، معقل الشيخ غومة الذي كان ملقى في عتمة الحبس. وقدم الليبيون شكوى رسمية ضد نجيب باشا إلى الباب العالي في إسطنبول، فرد الأخير بعزل نجيب وتولية “رئيف باشا” بدلا منه. وما إن حل الأخير بولاية طرابلس حتى أطلق سراح غومة المحمودي لتسكين ثائرة قومه. ولكنه زاد في المقابل من فرض الضرائب على الليبيين، وفرض عقوبات قاسية على من يعجز منهم عن دفعها، تراوحت بين الضرب بالسياط ومصادرة الأراضي والأغنام وحرق الديار. كما انتشر على يد رئيف باشا عقوبات وحشية مثل قطع الآذان.

أعلن غومة المحمودي الثورة على العثمانيين أمام كل تلك السياسات الهمجية. ووقعت 28 معركة بينه وبين القوات التركية، كان من نتيجتها امتداد سلطان غومة. واستطاع خلالها أن يستولى على الكثير من أسلحة وذخائر الأتراك، فعُزل رئيف باشا وعين مكانه “طاهر باشا” الذي خبر قوة غومة. فعمد إلى الخديعة، وتظاهر بالاستجابة لمطالب الأهالى. وعيّن غومة مسئولا عن منطقة غريان. وتعهد بخفض الضرائب وإعادة العرب لوظائفهم.

ولكن قبل أن تمر 3 أشهر. وما إن رد غومة إلى طاهر باشا ما سبق وأن غنمه من مدافع وأسلحة الأتراك، حتى نقض طاهر باشا وعوده. فعاد غومة إلى الثورة، وانتصر على الباشا وأنزل به خسارة كبيرة. الأمر الذي أدى إلى عزله وتعيين «حسن باشا الجشمه لي» بدلاً منه.

بدأ «الجشمه لي» حكمه بالتقرب إلى غومة فعينه والٍ على الجبل الغربي. كما عيّن عبد الجليل سيف النصر والٍ على فزان، وهو ثائر آخر مناصر لغومة. كما خفض الضرائب وبدأ عدة إصلاحات مما كان الشعب يطالب بها. لكن السلطة فى اسطنبول لم يعجبها الأمر لنقص العشور والضرائب، فاستدعت الجشمه لى وأعادت طاهر باشا مرة أخرى.

الثورة مرة أخرى

وما إن عاد طاهر باشا، حتى أعاد فرض الضرائب بأثر رجعي ما يعني خراباً حتميا على الأهالي. فاشتعلت الثورات من جديد، ودفعت القوات العثمانية الثمن غالياً، فعزل طاهر باشا للمرة الثانية، وعيّن بدلا منه “علي عشقر”، والذي عهد إلى غومة وبعض المديرين بالإشراف على جمع الضرائب بأنفسهم. غير أن سريان القحط فى هذا العام كان سبباً في عجز غومة وبقية المديرين من جمع الضرائب المطلوبة. فلجأ عشقر إلى التشدد مما أدى إلى انتفاضة جديدة من غومة غرباً وعبد الجليل سيف النصر شرقاً.

أدرك عشقر أن استخدام الوقيعة هو أفضل الطرق لمجابهة الثورة المتجددة. ونجح في ضرب الليبيين بعضهم ببعض. ثم عهد إلى القائد أحمد باشا بأن يأتي له برأس غومة -التي هي رأس الثورة – بأي سبيل.

لكن غومة استطاع الفرار إلى ترهونة ومنها إلى الصحراء. وعاد أحمد باشا بسبعين شيخاً من أنصار غومة. وعلق رؤوسهم في ميدان قرب سراي الحاكم بطرابلس. ثم ما لبث أن أوقع بعبد الجليل سيف النصر وقتله وطاف برأسه على طبق من فضة في شوارع طرابلس. فلقبه الشعب بأحمد باشا السفاح.

ولكي تمتص أسطنبول السخط العام عزلت علي عشقر. لكن أبقت على أحمد باشا السفاح في منصبه. وعين والى جديد لطرابلس هو محمد أمين باشا.

استدعى أمين باشا غومة وأمنه على نفسه. وعرض عليه أن يكون مستشاراً له في شؤون حكم الولاية. وشهدت البلاد عدة أشهر من الاستقرار. الأمر الذي لم يرض أحمد باشا السفاح. فغدر بغومة وعدد من أصحابه، وأرسلهم في بطن إحدى السفن كمعتقلين إلى إسطنبول حيث ألقى بهم في السجن بمدينة طرابزون عام 1842.

أثار هذا الغدر غضب الشعب وانتشرت الثورة كالنار في الهشيم. فقاد أحمد باشا السفاح حملة ضارية ضد المواطنين العُزل، وثبت مدافعه على المآذن لقصف بيوت الثائرين. وقام بمذبحة كبيرة في حقهم فيما يعرف بمعركة الطاحونة. وقد نجح واحد أعوان غومة المحمودي أن يهرب من السجن فى اسطنبول ويعود إلى ليبيا ليقود الثورة نائباً عنه.

شكوى لا تسمعها الآذان

أما الشيخ غومة نفسه، فقد استمر في المنفى العثماني من العام 1843 وحتى 1854. وحاول خلال تلك الفترة التواصل مع السلطان عبد المجيد الأول، وإيضاح حقيقة السياسات العثمانية في ليبيا، والتي تتسبب في استمرار الثورة ضد إسطنبول. ورسالة غومة إلى السلطان تعتبر اليوم وثيقة تاريخية تلخص الأوضاع في ليبيا تحت الاحتلال العثماني، وتفسر الأسباب التي أدت إلى إصرار المحاميد على الثورة دون هوادة.

تثبت الرسالة أولا سوء الإدارة العثمانية في ليبيا، حيث كان الحكم موزعا في إيالة طرابلس بين الوالي ونائبه (الكخيا) وقائد الجيش والجنود. وكل تلك المناصب القيادية العليا كانت في أيدي الأتراك دون العرب، أي السكان الأصليين لليبيا. وكانت سياسة تبديل الولاة بكثافة، والتي اتبعها العثمانيون في البلاد سببا في زيادة الاضطراب بها. يقول غومة المحمودي في نص رسالته «كلما صار تبديل والي من الولاة رجونا أن يكون أعدل من سلفه، فيكون أشد ظلما، وكلهم يجورون. ونحن صابرون مرتقبون لعل الولاة يصير منهم للناس حسن التفات، وهم لا يصدر منهم إلا أعنف المعاملات، يرتكبون في ذلك الإثم العظيم المخالف لأمر الله تعالى».

كما تتضح الدوافع الاقتصادية لثورة الشيخ غومة في الرسالة، حيث أشار إلى الإهمال العثماني للزراعة في الأراضي الخصبة ما أدى إلى تعرض ليبيا لمجاعات عنيفة. وهروب الفلاحين من أراضيهم بسبب مضاعفة الضريبة. ولجوء عشرات الآلاف من الليبيين إلى مصر وتونس والجزائر والسودان وتشاد، حتى لم يبق سوى القليل منهم في ليبيا نفسها (يقدر الباحثون المحدثون ببقاء 30% فقط من الليبيين في ليبيا أثناء تلك الفترة).

لم تكن الأوضاع الصحية أيضا أحسن حالا تحت الاحتلال العثماني. فقد عانى الليبيون من سوء التغذية والأمراض الوبائية، وضاعف الجوع والبرد من مصائبهم، وكان النفي جزاء كل من يجهر بكلمة حق، وصادر العثمانيون مصادر رزق الناس وعم الغلاء.

وأخيرا، أشار الشيخ غومة إلى محاولات العثمانيين فرض المذهب الحنفي بالقوة على الليبيين من أتباع المذهب المالكي. وهي الرسالة التي وصلت بالأتراك إلى هدم مساجد المالكية في ليبيا مثل مسجد ككلة. يقول: “الشرع الشريف أهملوه وشرائع الدين الحنيف غيروه ومذهبنا مذهب إمام دار الهجرة حضرة الإمام مالك أبطلوه، والجوامع والمدارس خربت أو قربت من الخراب، ولا يصرفون إيراد الوقف في واجباته، فالقضاة يبيعون الوظائف الشرعية لمشتريها”.

الهروب

لكن شكاوى غومة المحمودي لم تجد آذانا تصغي. وهو ما دفع الشيخ إلى استغلال حرب القرم التي اندلعت بين العثمانيين وروسيا القيصرية في العام 1853 في الهرب من طرابزون. ووزع الباب العالى أوصاف المحمودي إلى كل منافذ الدولة العثمانية للقبض عليه. فظل الشيخ متنقلا بين البلاد الأوروبية لمدة عامين. ثم نجح في التسلل إلى ليبيا أخيرا. وقاد معركة ضارية بنفسه ضد القوات العثمانية، انتصر فيها انتصارا كاسحا، واستولى على كل الأوراق والوثائق والأموال صحبة عدوه.

استمر غومة هذه المرة في الحرب حتى شارف على طرابلس نفسها. وردت إسطنبول بعزل والي الأخيرة “مصطفى نوري”، وتعيين “عثمان باشا” بدلا منه. وقام الباشا الجديد بتسيير قوات متفوقة في العدد والعتاد تمكنت من تحقيق النصر على المحاميد وقائدهم.

لكن الخسائر الكبيرة التي لحقت بـ “عثمان باشا” دفعته إلى تدبير الحيلة للإيقاع بغومة المحمودي. فتظاهر بأنه على استعداد للتفاوض، وطلب قاسم المحمودي (ابن عم غومة). واستطاع أن يجذبه إلى صفه، متفقين سويا على تدبير كمين للقبض على غومة. غير أن الأخير نجا في اللحظة الأخيرة. وبعد مراسلات جديدة بين غومة وعثمان باشا، اتفق الطرفان على التصالح شريطة أن يغادر غومة ليبيا، فوافق الأخير.

السقوط وتخليد الذكرى

غادر غومة إلى الحدود الليبية التونسية. ثم عاد متخفيا إلى فزان التي رحب أهلها به. وهذه المرة قررت الدولة العثمانية أن تتخلص منه نهائيا. وبالقرب من المكان المعروف بـ “خشم غومة” في وادي أوال، قامت قوات تركية يقودها لواء يدعى مصطفى صدقي بتطويق غومة المحمودي ورفاقه، ثم إمطارهم بالرصاص يوم 26 مارس 1858. وقد قام العثمانيون بقطع رأسه وإرسالها إلى طرابلس حيث طيف بها في شبكة فوق جمل عبر ضواحي المدينة. ولن تدفن رأس الشيخ مع جسده بطريقة لائقة، سوى بعد يومين عندما نجح بعض رفاقه من الثائرين في الحصول عليها من الأتراك.

وإذا كان العثمانيون قد ضمنوا الهدوء لأنفسهم في ليبيا بعد قتلهم الشيخ، فإن الليبيين ردوا بتخليد ذكرى شيخهم الثائر في الأمثال والأشعار والأغاني الشعبية، والتي لا يزال أحفاد المحاميد يحفظونها اليوم عن ظهر قلب. تحفزهم على رفض الضيم، وتدفعهم إلى الثورة طلبا للحق، حتى لو كلفهم ذلك حيواتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق